ابن الجوزي

46

بستان الواعظين ورياض السامعين

حتى تفيض على أهل الجمع وتلقي الزبانية على وجوههم وينهزم مالك خازنها من بين يديها ، فلو كان لكل آدمي عمل مائة ألف نبي ومائة ألف صديق ومائة ألف شهيد ، لحقر عمله ولظن أنه لا ينجو منها . فعند ذلك يعرض لها النبي صلى اللّه عليه وسلم وقد أشرقت القيامة من نور وجهه فيأخذ بزمامها ويقول لها : كفّي عن أمتي ، كفّي عن أمتي ، ثلاثا . فتقول له : يا أيها النبي الكريم والرسول الرؤوف الرحيم ، ما جعل اللّه لي عليك ولا على أمتك من سبيل . فعند ذلك يتعلق العبد المذنب إذا رأى الأهوال العظام بالنبي عليه الصلاة والسلام فيقول : يا رسول اللّه أنقذني من عذاب اللّه . فيقول له : ألم أبلغك رسالة ربي فلم عصيت ؟ فيقول له العبد المذنب : يا رسول اللّه غلبت علي شقوتي . فيقول صلى اللّه عليه وسلم : لا شقوة على أحد من أمتي ، ولا على من قال في الدنيا مخلصا لا إله إلّا اللّه محمد رسول اللّه . فيشفع له إلى اللّه تعالى فيشفع فيه . وأنشدوا : ألا أكرم بأحمد ذي الأيادي * شفيع الناس في يوم التنادي إذا نشر الخلائق من قبور * عراة يبتغون ندا المنادي وقرّبت الجحيم لمن يراها * فيا للّه من خوف العباد وقد زفرت جهنم فاستكانوا * سقوطا كالفراش وكالجراد وقد بلغت حناجرهم قلوب * وقد شخصوا بأبصار حداد فيا جبار عفوا منك فالطف * ويا رحمن رفقا بالعباد ونودوا للصراط ألا هلموا * فهذا ويحكم يوم المعاد تسوقكم إليه سوق عنف * مقامع من زبانية شداد ألا يا معشر الإسلام هبوا * من الإغفال في غمر الرقاد [ « 72 » ] حديث في الترهيب روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « كل عين باكية يوم القيامة إلّا عين بكت من خشية اللّه ، وعين غضت عن محارم اللّه ، وعين باتت تحرس في سبيل اللّه » .

--> ( 72 ) حديث : « كل عين باكية يوم القيامة » . أخرجه الديلمي في فردوس الأخبار ( 4796 ) من حديث أبي هريرة . وأبو نعيم في الحلية ( 3 / 163 ) من حديث أبي هريرة .